محمد جمال الدين القاسمي

89

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم ، فلا ريب أن هذا غير مراد ؛ ولكنّ السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرها ؛ فهذا القائل أخطأ حيث ظنّ أنّ هذا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى جعله محتاجا إلى تأويل ، وحيث حكى عن السلف ما لم يريدوه . وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتّفق على معناها ، والظاهر هو المراد في الجميع ، فإنّ اللّه لما أخبر أنّه بكلّ شيء عليم ، وأنّه على كل شيء قدير ، واتفق أهل السنّة وأئمة المسلمين على أنّ هذا على ظاهره ، أن ظاهر ذلك مراد - كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا . وكذلك لما اتفقوا على أنه حيّ عالم حقيقة ، قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حيّ عليم قدير . فإن كان المستمع يظنّ أن ظاهر الصفات تماثل صفات الخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا . وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر ، ونفي أن يكون مرادا إلّا بدليل يدل على النفي . وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلّا من جنس ما ينفي به سائر الصفات ، فيكون الكلام في الجميع واحدا . وحينئذ فلا يجوز أن يقال : إنّ الظاهر غير مراد بهذا التفسير . وبالجملة ، فمن قال : إن الظاهر غير مراد - بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة - قلنا له : أصبت في المعنى ولكن أخطأت في اللفظ ، وأوهمت البدعة ، وجعلت للجهميّة طريقا إلى غرضهم ، وكان يمكنك أن تقول : تمرّ كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأنّ صفات اللّه ليست كصفات المخلوقين ، وأنّه منزّه مقدّس عن كلّ ما يلزم منه حدوثه أو نقصه . ومن قال : الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني - وهو مراد الجهمية ومن تبعهم - فقد أخطأ . وإنما أتي من أخطأ من قبل أنه يتوهم - في بعض الصفات أو في كثير منها أو أكثرها أو كلّها - أنها تماثل صفات المخلوقين ، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير : أحدها : كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين ، وظنّ أنّ مدلول النصوص هو التمثيل . الثاني : أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله ، بقيت النصوص معطلة عما دلّت عليه من إثبات الصفات اللائقة باللّه . فيبقى مع جنايته على النصوص وظنّه